QNB

التجارة العالمية لم تتراجع، بل تعيد تشكيل ملامحها

نشر يوم : Thu, 10 Sept 2026

السيد عبد الله مبارك آل خليفة، الرئيس التنفيذي لمجموعة QNB

لم تعد القضية المحورية التي تواجه الشركات العالمية تقتصر على تحديد المكان الذي يمكنها فيه العمل بأعلى مستويات الكفاءة، بل أصبحت تتمثل في تحديد الأسواق التي تتيح لها إمكانية بناء علاقات أكثر مرونةً مع الأسواق، ورؤوس الأموال، والفرص. 
وفي مجموعة QNB، نلمس هذا التحول من خلال العلاقات التي بنيناها عبر شبكتنا الدولية؛ إذ تعيد الشركات والمستثمرون تقييم الأسواق التي تعمل فيها، وكيفية هيكلة سلاسل التوريد، والشركاء الماليين الذين يمكنهم الاعتماد عليهم مع توسع أعمالهم. وبصفتنا مؤسسة مالية رائدة في الشرق الأوسط وإفريقيا، فإن دورنا يتجاوز مجرد توفير التمويل، إذ نساعد عملاءنا على فهم الأسواق، وبناء العلاقات المناسبة، وربط طموحاتهم بالفرص المتاحة في المراكز المالية الراسخة والاقتصادات سريعة النمو. 
وتشهد أسس التجارة العالمية تحولاً متسارعًا، إذ لم تعد القرارات تُتخذ في المقام الأول بناءً على اعتبارات التكلفة والكفاءة، بل باتت تتشكل بفعل عوامل المرونة وإمكانية الوصول إلى الأسواق الاستراتيجية.
وتساهم التحولات في السياسات التجارية، والمخاوف المرتبطة بأمن الطاقة، والتطور التكنولوجي المتسارع، في إعادة تشكيل قرارات الدول والشركات بشأن مواقع الإنتاج والاستثمار وتطوير البنية التحتية. وفي ظل هذه المتغيرات، باتت الشركات تولي أهمية أكبر لسلاسل الإمداد الموثوقة، وضمان الوصول إلى الموارد الأساسية، والقدرة على مواصلة عملياتها بكفاءة خلال فترات الاضطرابات. ولا يعني هذا أن التجارة العالمية تشهد تراجعًا في الوقت الراهن، بل يعني أنها بدأت تعيد تشكيل نفسها وفق واقع جديد. 
وتتوقع منظمة التجارة العالمية أن يتباطأ نمو تجارة السلع العالمية من 4.6% في عام 2025  إلى 1.9% في عام 2026. ومع ذلك، أثبتت التجارة العالمية قدرتها على الصمود، مدعومةً جزئيًا بالطلب المتزايد على السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب نجاح الشركات في تكييف نماذج التوريد والتوزيع بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة.
ويبرز اليوم نظام تجاري أكثر تنوعًا، مع توجه الشركات إلى توسيع قاعدة مورديها، واستكشاف مسارات نقل بديلة، وتحويل جزء من عملياتها الإنتاجية إلى مواقع أقرب من أسواقها وعملائها. وتساهم هذه التحولات في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية، بما يعزز المكانة المتنامية لمنطقة الشرق الأوسط ضمن المشهد التجاري العالمي. 
ويساهم الموقع الاستراتيجي لدولة قطر، وقوتها المالية، وبنيتها التحتية المتطورة، وشراكاتها الدولية، في توفير قاعدة راسخة لربط رؤوس الأموال والشركات بالفرص الاستثمارية والتجارية الواعدة في مختلف أنحاء المنطقة وخارجها.

قطر والمشهد الاستثماري الجديد في الشرق الأوسط
لطالما ارتبط دور الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي بقطاع الطاقة في المقام الأول. وستظل الطاقة ركيزة أساسية للمنطقة وللاقتصاد العالمي، لا سيَّما في ظل تنامي الطلب العالمي على مصادر الطاقة. إلا أن الأهمية الاقتصادية للمنطقة باتت اليوم تتجاوز قطاع الهيدروكربونات بكثير.
وبصفتها مؤسسة مالية رائدة في الشرق الأوسط وإفريقيا، ترتبط مجموعة QNB ارتباطًا وثيقًا بهذا التحول. فمن خلال علاقاتنا مع الشركات، والمستثمرين، والمؤسسات، تلمس المجموعة تزايد الطلب على الشركاء الماليين القادرين على ربط رؤوس الأموال بالفرص المتاحة في مختلف الأسواق، ودعم العملاء في مسيرة توسعهم على المستوى الدولي. 
وبفضل موقعها الاستراتيجي عند ملتقى قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، ضخت دول منطقة الشرق الأوسط استثمارات هائلة في مشاريع تطوير البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية والاتصال الرقمي والقطاع المالي. كما تعمل الحكومات في جميع أنحاء المنطقة على تنمية قطاعات اقتصادية جديدة، والحد من اعتماد اقتصاداتها على مصادر النمو التقليدية. 
وتشكل المؤسسات المالية حلقة الوصل الحيوية في هذه المنظومة الجديدة. وبصفتها الجسر المالي الرئيسي بين هذه المناطق، توظف مجموعة QNB شبكتها الدولية لربط الشركات والمستثمرين في جميع الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأوروبا، بما يدعم حركة تدفقات رؤوس الأموال ويساهم في تسهيل التجارة بين المراكز المالية الراسخة والأسواق سريعة النمو. 
ولا تزال مكانة قطر في قطاع الطاقة تشكل ركيزة أساسية لحضورها الدولي، إلا أن مسيرة نموها تمتد إلى ما هو أبعد من النفط والغاز؛ إذ تساهم الاستثمارات المتواصلة في قطاعات النقل، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والخدمات المالية، في توفير نطاق أوسع من الفرص. وفي مجموعة QNB، يتمثل دورنا في مساعدة المستثمرين الدوليين على فهم هذه القطاعات، وربطهم بالعلاقات والدعم المالي اللازمين للمشاركة في هذا النمو. 
وتكتسب هذه المقومات أهمية بالغة في وقتٍ تعيد فيه الشركات العالمية النظر في كيفية تنظيم عملياتها. فلم تعد الشركات تقيّم الأسواق بناءً على إمكاناتها المحلية فحسب، بل أصبحت تتساءل أيضًا عمّا إذا كان الموقع قادرًا على إتاحة سبل الوصول إلى الاقتصادات المجاورة، ودعم عملياتها الإقليمية، وربطها بشركاء موثوقين على المدى الطويل.
وتتمتع دولة قطر ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا بمقومات تؤهلها لتلبية هذه المتطلبات، حيث لا تقتصر أهمية المنطقة على كونها وجهة جاذبة للاستثمارات الدولية، بل تمثل أيضًا قاعدة استراتيجية تنطلق منها الشركات للوصول إلى بعض الأسواق الأسرع نموًا في العالم.
ويعزز تنامي التجارة بين الاقتصادات الناشئة هذه الفرص الواعدة، حيث تدعم العلاقات التجارية المتينة بين دول الخليج وقارتيّ آسيا وإفريقيا الاستثمارات في قطاعات الخدمات اللوجستية، والتصنيع، والأمن الغذائي، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة النظيفة، والخدمات المالية. 
ويحظى التمويل المستدام بمكانة متزايدة الأهمية ضمن هذه الفرص. فلم تعد المعايير البيئية والمجتمعية وتدابير الحوكمة مجرد عنصر اختياري، بل أصبحت متطلبًا أساسيًا للمستثمرين الدوليين، وعاملاً مهمًا في توجيه مخصصات رؤوس الأموال. وقد دمجت مجموعة QNB الاستدامة في صميم استراتيجيتها، بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، ويساعد العملاء على تحقيق نمو يخلق قيمة مستدامة على المدى الطويل. كما تساهم هذه الشراكات في فتح مسارات جديدة لتدفقات رؤوس الأموال، وحركة السلع، وتبادل الخبرات.

الاستثمار أصبح أكثر انتقائية
تؤثر التحولات في التجارة العالمية أيضًا على الوجهات التي تتدفق إليها الاستثمارات العالمية. فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بأن الاستثمار الأجنبي المباشر ارتفع بنسبة 6% على مستوى العالم ليصل إلى 1.6  تريليون دولار أمريكي في عام 2025. إلا أن هذا النمو تركز في عدد محدود من الأسواق والقطاعات. وفي الوقت ذاته، أصبح المستثمرون أكثر انتقائية في قراراتهم الاستثمارية، مع تقييمهم لعوامل مثل مخاطر السوق، وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا، وجودة البنية التحتية، وموثوقية المؤسسات الوطنية. ولذلك، لم يعد السؤال يتمثل فقط في مدى توافر رؤوس الأموال، بل في تحديد الأسواق الأكثر قدرة على استقطابها.
وستتمتع الدول التي توفر أطرًا تنظيميةً واضحةً، ومؤسسات قوية، وبنية تحتية حديثة، وفرصًا للنمو الإقليمي، بميزة تنافسية مهمة. كما ستكتسب المرونة أهمية متزايدة، في ظل سعي المستثمرين إلى ضمان قدرة الأسواق والخدمات الأساسية على مواصلة العمل بكفاءة حتى في ظل تغير الظروف الاقتصادية والظروف السائدة في الأسواق. 
وبالنسبة لدولة قطر، تكتسب هذه المرونة أهمية خاصة في ظل ارتباطها الوثيق بأسواق الطاقة والتجارة والأسواق المالية العالمية. ويستند القطاع المصرفي في الدولة إلى مستويات قوية من الرسملة والسيولة العالية، والأطر التنظيمية الراسخة. 
وفي مجموعة QNB، تُمكّننا الترتيبات الراسخة المتبعة لضمان استمرارية الأعمال، والبنية التحتية المرنة، والقدرات الرقمية المتقدمة، من ضمان تقديم الخدمات المصرفية بصورة آمنة ودون انقطاع. ويؤكد ذلك حقيقةً أوسع مفادها أن المرونة ليست مفهومًا نظريًا، بل عاملٌ مؤثر بشكل مباشر في تعزيز ثقة العملاء، وترسيخ استقرار الأسواق، وتوطيد قدرة الدول على الحفاظ على جاذبيتها للمستثمرين الدوليين.

المؤسسات المالية بوصفها حلقة وصل عالمية
تؤدي البنوك دورًا محوريًا في هذا المشهد المتغير للتجارة والاستثمار. ورغم أن توفير التمويل لا يزال عنصرًا أساسيًا في هذا الدور، تحتاج الشركات الدولية أيضًا إلى معرفة متخصصة بالأسواق المحلية، وروابط موثوقة عابرة للحدود، ودعم في إدارة المخاطر المتعلقة بتداول العملات والسيولة والمتطلبات التنظيمية.
لذلك، لا تُقاس قوة الشبكة المصرفية الدولية بمدى اتساع نطاق انتشارها الجغرافي فحسب، بل تكمن قيمتها في مدى فعاليتها في ربط العملاء بالأسواق والفرص المتاحة.
كما يتعين على البنوك الحفاظ على مرونتها وقدرتها على التكيف مع الأوضاع المتغيرة، إذ تمكّن مصادر التمويل المتنوعة، ومستويات السيولة القوية، والإدارة المنضبطة لرأس المال، المؤسسات المالية من مواصلة دعم عملائها في ظل تغير الظروف الاقتصادية والظروف السائدة في الأسواق.
وعبر إصدارها لسندات بقيمة 1 مليار ريال قطري، وهو أكبر إصدار بالعملة المحلية تطرحه مؤسسة مالية قطرية للمستثمرين الدوليين، أظهرت مجموعة QNB استمرار الثقة الدولية في المجموعة والأسواق المالية القطرية. كما ساهم هذا الإصدار في دعم تطوير أسواق رأس المال في البلاد، بما يتماشى مع الأهداف الواردة في رؤية قطر الوطنية 2030.
وتدعم هذه القوة المالية قدرتنا على تمويل الشركات الدولية، ومشاريع البنية التحتية الكبرى، والتقنيات التي تساهم في تشكيل ملامح مستقبل النمو الاقتصادي.
ويُعدّ التطور التكنولوجي محركًا آخر يربط بين مكونات هذه المنظومة التجارية الجديدة. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تطورًا رقميًا، إلا أن توسعه يعتمد على ضخ استثمارات مادية ضخمة في مراكز البيانات، وتوليد الطاقة، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية للاتصال. وتسهم هذه المتطلبات في إيجاد روابط جديدة بين التكنولوجيا، والطاقة، والبنية التحتية، والتمويل، إلى جانب خلق تدفقات جديدة للاستثمار والتجارة بين الأسواق القادرة على توفير هذه المقومات. 
وسيتطلب بناء هذه المنظومة تعاونًا وثيقًا بين الحكومات، وشركات التكنولوجيا، والمطورين، والمستثمرين، والمؤسسات المالية. وستؤدي البنوك دورًا محوريًا في ربط رؤوس الأموال، والخبرات، والأسواق اللازمة لتوسيع نطاق هذه الاستثمارات وتحقيقها على نطاق واسع.

بناء الفصل التالي في مستقبل التجارة العالمية
قد تؤدي التغيرات في الاقتصاد العالمي إلى زيادة التكاليف والتأثير في القرارات الاستثمارية. ويمكن أن يساهم بناء شبكات تجارية ومالية وبنية تحتية تتسم بالمرونة في تمكين الشركات من إدارة هذه التحديات، مع مواصلة السعي لاغتنام فرص النمو المتاحة في الأسواق الدولية. 
ويمكن لقطر ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا دعم هذا التعاون عبر ربط المراكز المالية الراسخة بالأسواق النامية في مختلف أنحاء قارتيّ آسيا وإفريقيا. ولن تنبع أهمية المنطقة وتأثيرها من رأس المال الذي يمكنها توفيره فحسب، بل أيضًا من قدرتها على بناء الشراكات، وتيسير الاستثمارات العابرة للحدود، وتوفير روابط موثوقة بين الأسواق. 
وتعكس الاستراتيجية الخمسية لمجموعة QNB هذا التوجه. فمن خلال شبكتنا الدولية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط وقارات إفريقيا وآسيا وأوروبا، نهدف إلى دعم حصة أكبر من التجارة والاستثمار عبر الحدود، مع مواصلة تنويع أعمالنا والمساهمة في تحقيق النمو المستدام طويل الأجل في الأسواق التي نعمل فيها.
وستكون هذه القضايا محورًا رئيسيًا للنقاشات خلال منتدى قطر الاقتصادي، برعاية بلومبرغ: النسخة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك. وبصفتها الراعي التقديمي لهذا المنتدى، ستسلط مجموعةQNB  الضوء على كيفية مساهمة شبكتها الدولية في دعم التجارة والاستثمار عبر الحدود، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
ولن يُحدد النطاق الجغرافي وحده مستقبل التجارة العالمية، بل سيتحدد بجودة الشراكات التي تربط بين الأسواق ورؤوس الأموال والابتكار. وستكون المؤسسات والاقتصادات التي تُدرك هذا التحول وتنجح في بناء روابط قوية وأكثر مرونة هي الأقدر على رسم ملامح المرحلة المقبلة.